علي بن يوسف القفطي
120
إنباه الرواة على أنباه النحاة
وقال ثعلب : حضرت مجلس ابن حبيب فلم يملّ ، فقلت : ويحك ! أملّ ، مالك ! فلم يفعل ؛ حتى قمت . وكان واللَّه حافظا صدوقا ، وكان يعقوب أعلم منه ، وكان هو أحفظ للأنساب والأخبار منه ، وكان بغداذيا . وقال أبو سعيد السّكَّرى : توفى محمد بن حبيب يوم الخميس لسبع بقين من ذي الحجة سنة خمس وأربعين ومائتين بسرّ من رأى . وقال ثعلب : بلغني أن محمد بن حبيب يملى شعر حسان بن ثابت فأتيته ، ولما عرف موضعي قطع الإملاء ، فانصرفت وعدت إليه ، فترفقت به ، فأملى . وكان لا يقعد في المسجد الجامع ، فعذلته على ذلك ، ولم أزل به حتى قعد في جمعة من الجمع ، واجتمع الناس ، فسأله سائل عن هذه الأبيات ( 1 ) : أزحنة عنى تطردين تبددت * بلحمك طير طرن كلّ مطير ( 2 ) قفى لا تزلَّى زلة ليس بعدها * جبور وزلَّات النساء كثير فإني وإياه كرجلى نعامة * على كلّ حال من غنى وفقير ( 3 ) ففسّر ما فيه من اللغة . فقيل له : كيف تقول : « من غنى وفقير » . وكان يجب أن تقول : « من غنى وفقر » ؟ فاضطرب . فقلت للسائل : هذا غريبة ، وأنا أنوب عنه ، وبيّنت العلة ( 4 ) وانصرف ، ثم لم يعد للقعود بعد ذلك ، وانقطعت عنه ( 5 ) .
--> ( 1 ) الأبيات في المضاف والمنسوب 352 ، مع تقديم البيت الأوّل على الثاني ؛ منسوبة إلى بعض الأعراب يخاطب امرأته ؛ وهى أيضا في طبقات الزبيدي ومعجم الأدباء ومجالس العلماء . ( 2 ) زحنة : اسم أخي الشاعر ، وكانت امرأته تجفوه وتطرده . ( 3 ) أخبر أنه وأخاه كرجلى نعامة ؛ إن أصاب أحدهما شئ بطلت الأخرى ؛ ورجلا النعامة يضرب بهما المثل للاثنين ، لا يستغنى أحدهما عن الآخر بحال . قال الجاحظ : « كل ذي أربع إذا اندقت إحدى قائمتيه ظلع وتحامل ومشى ، وإذا استكره نفسه واحتاج أن يستعين بالصحيحة فعل ، إلا النعامة فإنها متى انكسرت إحدى رجليها عمدت إلى السقوط » . وانظر الحيوان ( 5 : 218 ) ، وطبقات الزبيدي ص 98 ، ومعجم الأدباء ( 18 : 115 ) . ( 4 ) قال الزبيدي في شرح العلة : « والأسماء ترد على المصادر والمصادر على الأسماء ؛ لأن المصادر إنما ظهرت لظهور الأسماء وتمكن الإعراب فيها » . ( 5 ) الخبر في مجالس العلماء ص 55 - 56 .